علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

343

الصداقة والصديق

اختلاف العباد في جميع الأمور من علّتين : إمّا جهل بما يدّعون ، وإمّا جحد لما يعرفون ، والجاهل بما يدّعي أرجى رجعة من الجاحد لما يعرف ، وإن كان لا عذر له في ترك علم ما يجهل ، كما لا عذر لأحد في جحد معروف ، ولست أدري إذا ناضحت حجّته أيّ حاليه أولى بالتعانيف ، أجهله من جميل كنت أفعله ؟ أم جحده بعد تعريف وتوقيف ؟ وما اقتصرت بك على أدنى حال الإنصاف ألّا أكون راجية أن أجدك في أفضلها ، ولكني نهضت إلى الانتصاح من لا يميل بواضح يغنيني عن شبه المعاذير ، ولم آمن مع ذلك أن تظنّي أني إلى مشكلات الأمور مضطرة ، ولم أكن لأقدم الوهن ، وأخلف القوة ، ومع ذلك فإنّ من الحق ما يخبئ نار اللجاجة ، ومنه ما يذكيها ، فأتيتك من أقرب مأتاك ، فلا يكوننّ ما أفدت به رضاك علة لمنعه فإن هذه التي انتصلت علتها قبل اللجاجة والأراجيف ابتدأت في مقارعة القطيعة والصّلة ووقفت بينهما موقف المراهنة ، ولك ، أصلحك اللّه ، طول على العتب وعلى ذلّ الاعتذار ، فلا يطمس ذلك نور ما يرد عليك فإنّي أعتدّ عليك خصالا في كلّها ضربت الأمثال منها قول أكثم بن صيفي : الجود بالمجهود منتهى الجود ، وأنت تعلمين أن مجهودي كلّه كان لك ، ومنه قول النابغة : إذا كان مجبولا على النّصح صاحبي * عفا النصح عما زلّ من حيث لا يدري وما استزدتني نصيحة قط ، ولا اتّهمتني على غش ، ومنه قول طرفة : مالي إليك شفيع أستعين به * إلّا رجائي وإفراديك بالأمل وما استبطأتك في أمر قط ، ولا أشرت بأملي إلى سواك ، فأيّ مدخل للتهمة مع هذه الحال ، وإن أجمع لصفة ما بيننا كقول الأعشى : وما تفيأت من سرور * فتمّ إلّا بكم سروري